خطاب إصلاحي يضع الأصبع على اختلالات التربية والتكوين

 

خطاب إصلاحي يضع الأصبع على اختلالات التربية والتكوين

الرباط/مصطفى لختاصير

في مستهل خطابه لشعبه الوفي بمناسبة الذكرى الستين لثورة الملك و الشعب الخالدة، ذكر جلالة الملك محمد السادس بقيمة هذه الذكرى وما تجسده من قيم التضحية والتضامن الوطني لمواصلة مسارها المتجدد في مختلف المجالات، موضحا جلالته أن ثورة الملك والشعب تمثلت اليوم في ثورة جديدة في عدة مجالات مثل التنمية البشرية والتقدم الذي يشهده المجالين الاقتصادي والاجتماعي مما يقوي أسس المواطنة الكريمة للمغاربة والتلاحم الوثيق بين العرش والشعب، داعيا إلى التعبئة الجماعية والانخراط القوي في الأوراش التنموية. وحرصا من الملك محمد السادس على ضمان الرعاية لفئة الشباب العمود الفقري للتنمية فقد ذكر جلالته بالمنجزات التي تحققت في مجال التربية والتكوين خاصة ارتفاع نسبة التمدرس لدى الفتيات وسهره شخصيا على توفير البنيات التحتية الضرورية، بمختلف جهات ومناطق المملكة من طرق وماء صالح للشرب وكهرباء، ومساكن للمعلمين ودور للطالبات والطلبة وغيرها.

كما أوضح جلالة الملك محمد السادس في خطابه لهذه السنة مكامن الخلل التي تعتري نظام التربية والتكوين  طارحا سؤالا يتداوله الشارع المغربي، مما يؤكد تواصل جلالته الدائم مع شعبه "لماذا لا تستطيع فئات من شبابنا تحقيق تطلعاتها المشروعة على المستوى المهني والمادي والاجتماعي؟"، ثم يجيب جلالته على هذا السؤال بصراحة متناهية "إن قطاع التعليم يواجه عدة صعوبات ومشاكل، خاصة بسبب اعتماد بعض البرامج والمناهج التعليمية التي لا تتلاءم مع متطلبات سوق الشغل، فضلا عن الاختلالات الناجمة عن تغيير لغة التدريس في المواد العلمية، من العربية في المستوى الابتدائي والثانوي إلى بعض اللغات الأجنبية في التخصصات التقنية والتعليم العالي، وهو ما يقتضي تأهيل التلميذ أو الطالب على المستوى اللغوي، لتسهيل متابعته للتكوين الذي يتلقاه"، وأشاد الملك في خطابه بما تحقق في ميادين التكوين المهني والتقني والصناعة التقليدية التي توفر فرصا أوفر للولوج المباشر والسريع لسوق الشغل والاندماج في الحياة المهنية، وهي ميزة ليست متوفرة في بعض مسالك الجامعة التي رغم الجهود التي يبذلها أطرها إلا أنها تشكل مصنعا لتخريج العاطلين لاسيما في بعض التخصصات المتجاوزة. وقد أجمع المحللون للخطاب الملكي على أن الملك رصد الخلل بدقة وهو عدم ملاءمة التكوين الجامعي لسوق الشغل الذي أصبح في حاجة ماسة إلى يد عاملة متخصصة في قطاعات "الاوفشورينغ" والصناعة التقليدية المغربية التي حققت نتائج إيجابية بفضل مؤسسات التكوين المهني المنتشرة في ربوع المملكة.

  وقد أشاد جلالته بما تحقق في عهد الحكومات المتعاقبة وخاصة الحكومة السابقة التي   قامت خلال السنوات الثلاث الأخيرة بتسخير الإمكانات والوسائل الضرورية للبرنامج الاستعجالي. ورصد جلالته بصراحة مكامن الخلل بعد تنصيب الحكومة الجديدة بالقول: "كان على الحكومة الحالية استثمار التراكمات الإيجابية في قطاع التربية والتكوين، باعتباره ورشا مصيريا يمتد لعدة عقود، ذلك أنه من غير المعقول أن تأتي أي حكومة جديدة بمخطط جديد خلال كل خمس سنوات، متجاهلة البرامج السابقة علما أنها لن تستطيع تنفيذ مخططها بأكمله نظرا لقصر مدة انتدابها" وهو عتاب يأتي من حرص الملك محمد السادس على استمرارية الورش التنموي لأن القطيعة ستضعف الجهود التي بذلت في المجال، مما يوجب الأسف على ضياع المكتسبات يقول جلالته:" غير أنه لم يتم العمل، مع كامل الأسف، على تعزيز المكاسب التي تم تحقيقها في تفعيل هذا المخطط  بل تم التراجع، دون إشراك أو تشاور مع الفاعلين المعنيين عن مكونات أساسية منه، تهم على الخصوص تجديد المناهج التربوية، برنامج التعليم الأولي وثانويات الامتياز، وانطلاقا من هذه الاعتبارات، فقد كان على الحكومة الحالية استثمار التراكمات الإيجابية في قطاع التربية والتكوين، باعتباره ورشا مصيريا يمتد لعدة عقود" داعيا إلى إبعاد القطاع التربوي عن "الإطار السياسي المحض، ولا أن يخضع تدبيره للمزايدات أو الصراعات السياسوية، بل يجب وضعه في إطاره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، غايته تكوين وتأهيل الموارد البشرية، للاندماج في دينامية التنمية، وذلك من خلال اعتماد نظام تربوي ناجع" وهي توصيات وإصلاحات دعا الملك الى العودة إلى مضامينها التي وردت في خطاب ثورة الملك والشعب للسنة الماضية.

 ولم يفت جلالته في ظل نقده البناء أن يعلن تفعيل المجلس الأعلى للتعليم في صيغته الحالية وذلك " لتقييم منجزات عشرية الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والانكباب على هذا الورش الوطني الكبير".

 وهي خريطة طريق ملكية متكاملة للرقي بوضعية التربية والتكوين، مما جعل الخطاب الملكي يلقى تجاوبا كبيرا من طرف الشارع المغربي ويعده ضوءا أخضرا لإصلاحات قادمة في قطاع التربية والتكوين تعود بالنفع على الموارد البشرية خزان التنمية في المغرب.

 

إرجع